تشغيل الأشخاص المعاقين … بين “الكوتــة” والكفاءة والإقصاء

يعتبر تشغيل الأشخاص المعاقين في الجزائر منعدما بالنسبة للعدد الهائل للأشخاص المعاقين والمقدرة نسبتها بعشرة بالمائة (10%)، أي حوالي ثلاثة ملايين ونصف معاق، إلا في بعض الحالات النادرة والمحدودة والمعدودة، ويرجع هذا الإقصاء إلى عدة عوامل أهمها:
عدم الاهتمام بالقدر الكافي بالجانب التعليمي والتربوي للطفل المعاق ميدانيا، بالرغم من وجود قوانين تنص على وجوب التعليم، ويرجع هذا إلى ضعف التكفل المادي والمعنوي للأطفال المعاقين، كون أن الإعاقة منتشرة في المجتمعات الفقيرة ومحدودة الدخل، وتخوف الإدارة من استقبال الأطفال المعاقين يزيد في تعقيد المسألة، الذي يرجع إلى عدم وجود التهيئة العمرانية والبيداغوجية اللازمة لتتلاءم مع الطفل المعاق، إضافة إلى التخوف الناتج من الحالة الصحية للطفل.
إن الجانب التعليمي والتربوي يعتبر أهم جانب يبنى عليه جانب الشغل، وعليه فان عدم إتاحة الفرص فيه يؤدي إلى التباين في إتاحة الفرص في مجال التشغيل، أي انه لا إدماج مهني بدون إدماج تربوي، ولا إدماج اجتماعي بدونهما.
إن عملية تخريج شخصا معاقا من الجامعة، يتطلب جهدا كبيرا من طرف الشخص نفسه والأسرة الحاملة للإعاقة، حيث يتضاعف إلى عشرات المرات مقارنة مع شخص سوي، وهذا التباين في الجهد المبذول لا يمكن في أي حال من الأحوال إقامة عدالة اجتماعية مبنية على أسس من التفاضلات، خاصة مع وجود عوامل عديدة ترجع إلى التخلف المجتمعي، مما يؤدي إلى إيجاد معايير وميكانيزمات فوضوية تؤدي إلى عدم تحقيق العدالة.
إن المجتمع المنفصم للشخصية هو الذي يرى نفسه وكأنه يعيش في المدينة الفاضلة وهو يعيش خلاف ذلك، ولا يمكننا تقليد مجتمعات في جزئة من قضية منعزلة عن جوانبها، هذا وخلاف المدينة الفاضلة كما هو الحال في الدول المتخلفة التي تتدخل فيها عوامل “المعريفـة” و”الشيبـة” التي أصبحت جزء لا يتجزأ من حياتنا، وأصبح النبيل والرذيل يتعاملون بها وأصبحت عادة اجتماعية لا يستغنى عنها ولو في استخراج شهادة ميلاد، فهذه المعايير تعتبر جانب نظري لا يمكن تطبيقه على الفئة الضعيفة التي تدفع ثمن التخلف الفكري الذي أدى إلى التخلف المجتمعي.
إن العدالة المطلقة لله عز وجل، لا يمكن تحقيقها نحن بني البشر، وإنما نقول أننا نسعى إلى إحقاق العدالة، ولا يمكن رفعها حجة أمام الاجحاف الكبير المسلط على هذه الفئة بدون إحقاق إتاحة الفرص بين جميع أفراد المجتمع.
إن رفع بطاقة العدالة آنيا في قضية المعاقين في الجانب دون جانب، يقودنا إلى طرح السؤال الآتي: هل من العدالة أن يمارس في نفس المدرسة خريج شهادة التعليم المتوسط مع حامل لشهادة الماجستير وبنفس الراتب أو أقل من ذلك.
إن عامل الزمن الذي لا يتعدى عشر سنوات الذي أدى إلى إيجاد هذا الفارق الكبير يجعلنا ان نأخذ في الحسبان فوارق آنية عديدة منها القضية المطروحة على النقاش.
وإذ ينظر المسؤولون على أعلى مستوى في الدولة، على أن قانون المعاقين الذي يحدد نسبة الواحد بالمائة في التوظيف، هو لا مجال له في التطبيق على مستوى الوظيف العمومي، ويرى الاقتصاديون ردا على ذلك أنه لا مجال لتوظيف الأشخاص المعاقين في الشركات إذ أنهم من الأولى احتضانهم إداريا في الوظيف العمومي، ويبقى الشخص المعاق ضحية آراء واجتهادات وتكهنات البعض المبنية على الأحكام المسبقة بدون الممارسة الواقية التي تعكس تماما هذه الأطروحات، ناهيك عن الوصاية المطلقة المفروضة على هذه الفئة والتي تتعاكس مع كل القضايا الأخريات، فقضية المرأة تطرح من جنسهم، والعمال ليس من غيرهم، والمجاهدون إلا هم، و…، وكما يقال “ما حاك جلدك مثل ظفرك”.
نر نحن أصحاب القضية على خلاف ما يرون أن نسبة الواحد بالمائة التي يعتبرونها “كوتـة” التي تعتبر نسبة ضعيفة جدا بأنها عامل وجودي، وهو الحد الأدنى الذي لا يمكن القبول بغيره، ولا يمكن تبريره ببعض القراءات والتكهنات والاجتهادات التي تؤدي إلى المعادلة التي تربط بحتمية الارتباط الوثيق بين الإعاقة والفقر الذي يؤدي إلى التسول.
في حالة طارئة مثل هذه تلجأ المجتمعات إلى التدخل قانونيا وسياسيا من أجل إحقاق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية التي تضمن العامل الوجودي للشخص المعاق، كما هو الحال في عدة قضايا مثل قضية المرأة، أبناء الشهداء وغيرها.
فـ”الكوتــة”، لها تعريف ومجال ونسبة معينة واضحة تبين تفاوت الفوارق أما الواحد بالمائة الذي يجاور الصفر فهو قضية وجودية بحتة، فالتباين المحمود المبرر الذي يسعى إلى فك التباين والفوارق هو عامل ضروري.
وإن المواد القانونية الحاملة للاعاقة بعدوى مستهدفيها، لا يمكنها النهوض بدون عكاكيز والمتمثلة في ايجاد ميكانيزمات وخطط وقرارات مرافقة تدفع بالقضية قدما على غرار دول عربية عديدة.
نأمل أن يكون هناك يوم نجد من كل عشرة نواب من البرلمان نائبا، ومن الوزراء وزيرا، ومن السفراء سفيرا، ومن الولاة واليا، …
… لكن ليس هكذا تأكل الكتف
الكاتب: بــراق بشيــر